ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

140

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

وخلق عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من أصل نقي فكانت أعمال الشرك عليه عارية كلما ثارت نيران حمية الجاهلية أثرت في طبعه إلى أن فني مدد حطبها بمده أعراضه فعاد أي العرفان فقتل أباه رغبة في الإسلام ، وله في معنى ذلك ، وكل إلى أصله عائد ، وإن صده الصد عن قصده كما الماء من بعد إسخانه يعود سريعا إلى برده ، من جرد عزمه من الالتفاتات الباطنة ، وقويت عقيدته فصحّ ومسك وتمسك وجرد ، صمم اليقين على جيش النفس والشيطان ، فانهزم الشيطان مقهورا ، وهواء النفس ذليلا مكسورا وتملك الصدق والإخلاص بركن القلب ، وليس التوحيد بقايا التيه والعجب ، وجاءه مياه القرب فأسقت أرض القلب وترشفت عيون التوحيد كمال التفريد ، فتدافق البحر الأعظم ، وانصبّ جلاء النور الشفاف ، وسرى فيه السر وجرى ، فلما امتلأ باطنه نورا فاض فيض الفياض من لدنه فيضا فأملته الأنوار جلالا وجمالا ، واندفعت الأقمار بأمور وليس لها مثال ، وأخرجت لؤلؤا سلكا سلكا ، وجواهر عقدت عقدا مضيئا محتبكا ، وعلقت درّ إخلاصه ، وعملت سلكا فلما رأى مياه الحياة تسقى في صفائحه وتربي منائحه ، فأبرق من لمعان برق المعاني بظواهر الأواني ، أن هذا شراب من شربه تمايل ، ومن مزجه تطاول بالجمائل ، فألسنة ناطقة وواثقة ، فقال : كم من قوال ما ذاق طعم قرب ، ولا شرب شراب الخمر الحلال ، لا خمرا حرمه القرآن قد لعن شاربه وعاصره وحامله وحاضره والمحمول له ، لا شربة اللبن والخمر ، فاللبن خمرها ، والخمر شمسها ، فلبان البون ينفع من البون ، فكل من لم يشرب شمس الصهباء الربانية الحتدريسية « 1 » ، ويشرب لبن ثدي الوصل فمن أين يحصل له القطع والوصل والإدراك فاقتنى خمار العيش بفضله ، واجتبى ثمارا يتهنأ بتحصيله ومحصوله ، فإذا كان ذا اشتغال عليّ وباطن مغنى خفي ، تراه يقرأ معاني الرموز ويتفرج في مفاتيح الغموز ، ويفتح أقفال الكنوز من العلم المخزون والعلم الموزون ، فيجد رموزا كلها صحفا ، وصحفا كلها عن معنى دق وخفى وفهم بسر اللّه معنى المشكلات ، ويعرف بعلم اللّه وبأمر اللّه المغيبات ، فيندرق بالموتقات ، ويخرج عن المتلفات ، وتعمل به العنايات ، وتحمله سفن النجاة وتطوى في طي طيه المقامات والطبقات ، فلا عجب من الأملاك حين يهبطون من السماوات في طرفة عين ، ثم يرجعون في طرفة عين . هذا كان دأبهم في زمن الأنبياء صلوات اللّه على نبينا وعليهم أجمعين ، وقد وردت الآيات ، وترادفت الأخبار عن المختار والأبرار أن قلب المؤمن وروحه تمزق

--> ( 1 ) كذا بالأصل ولم أجد لها معنى .